اسماعيل بن محمد القونوي

100

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

شرعا وإن أراد عدمه في زعمهم فغير مسلم وكذا الجواب الذي هو يستفاد من قوله ويريئون المؤمنين أنهم آمنوا الخ . غير تام لأن إراءتهم المذكورة إن كانت مع علمهم بأن إيمانهم ليس مثل إيمان المؤمنين فهذا نفاق لكن لا يتم قوله إنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه وإن كانت الإراءة المذكورة مع ظنهم أنهم كذلك في نفس الأمر فهم مخطئون لا منافقون بالمعنى الذي أريد بالنفاق هنا وإن كان نفاقا بمعنى مخالفة الباطن للظاهر والكلام في المنافقين الذين موهوا الكفر ويخادعون الرسول عليه السّلام فإظهار الإيمان له مع الكفر باطنا بدون التمويه والاستهزاء لا يكون مما نحن فيه ولا ريب في أنهم لا يريدون الخداع فيما يظنون أنهم مخلصون فيه وبالجملة الجمع بين قوله إنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون وبين قوله في الدرس السابق وهم الذين آمنوا بأفواههم إلى آخره مشكل . قوله : ( فكيف بما يقصدون به النفاق ) أي فكيف لا يكونون منافقين فيما لا يعتقدون مما يجب الإيمان به بل يقصدون به الخداع والاستهزاء ظاهره إنكار الكيفية والمراد عدم كونهم منافقين ومقتضى السوق في مثل هذا فضلا عن ما يقصدون به النفاق . قوله : ( لأن القوم كانوا يهودا ) علة للإيذان وجه الإيذان هو أن المنافقين نشأوا « 1 » من طائفة اليهود كابن أبيّ وأحزابه وهم من أصحاب التوراة ( وكانوا يؤمنون باللّه وباليوم الآخر وتفضيحهم بالتمثيل بهم وبطريقتهم فتلين قلوبهم وتنقاد نفوسهم وتتزكى بواطنهم وتضمحل رذائلهم فيرجعون عما هم عليه ويصيرون من المستثنين في قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 146 ] وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 146 ] ثم قال في التأويل : هم الفريق الثاني من الأشقياء سلب عنهم الإيمان مع إظهارهم لذلك لأن محل الإيمان هو القلب لا اللسان والجوارح ولهذا قال اللّه تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ولا ينظر إلى صوركم وأعمالكم » ادعوا علمي التوحيد والمعاد الذين هما أصل الدين وأساسه أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحق ولا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين والمعاد لأن اعتقاد أهل الكتاب في باب المعاد ليس مطابقا للحق والمراد باليوم الآخر هو الامتداد السرمدي الذي وراء الزمان وهو نسبة الثابت إلى الثابت وقد مر أن الكفر هو الستر والحجاب والحجاب إما عن الحق كالمشركين وإما عن الدين كما لأهل الكتاب والمحجوب عن الحق محجوب عن الدين الذي هو طريق الوصول إليه ضرورة وأما المحجوب عن الدين فقد لا يحجب عن الحق فهؤلاء ادعوا رفع الحجابين معا فكذبوا بسبب الإيمان عن ذواتهم المستلزم لانتفاء كونهم من أهل الكتاب حقيقة لفساد عقيدتهم في باب التوحيد أيضا .

--> ( 1 ) قال الإمام والجواب إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال لأن أكثرهم كانوا جاهلين باللّه ومنكرين للبعث والنشور فعلم منه أن المنافقين ليسوا مختصين بأهل الكتاب لكن ما اختاره المص هو المعروف المشهور لأن المنافقين من المشركين غير متعارف أو مراد المص أنهم قوم معهودون معدودون من أهل الكتاب .